‏إظهار الرسائل ذات التسميات التوبة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التوبة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 5 أغسطس 2010

التوبة 3

التوبة -3

والأخبار والآثار فى ذم المعاصى ومدح التائبين لا تحصى ، فينبغى أن يستكثر الواعظ منها


وكذلك حكايات الأنبياء والسلف الصالحين وما جرى عليهم من المصائب بسبب ذنوبهم ، فذلك شديد الوقع ظاهر النفع فى قلوب الخلق . مثل أحوال آدم صلى الله عليه وسلم فى عصيانه ، وما لقيه من الإخراج من الجنة ، حتى روى : أنه لما أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته ، فاستحيا التاج والإكليل من وجهه أن يرتفعا عنه ، فجاءه جبريل عليه السلام فأخذ التاج عن رأسه وحل الإكليل عن جبينه ، ونودى من فوق العرش : اهبطا من جوارى فإنه لا يجاورنى من عصانى ، قال : فالتفت آدم إلى حواء باكيا وقال : هذا أول شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب.
.

وروى : أن الله تعالى أوحى إلى يعقوب عليه السلام : أتدرى لم فرقت بينك وبين ولدك يوسف ؟ قال : لا . قال : لقولك لإخوته : ﴿ أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ﴾ (يوسف : 13) لم خفت عليه الذئب ولم ترجنى ، ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظى له . وتدرى لم رددته عليك؟ قال: لا، قال: لأنك رجوتني وقلت: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعا﴾ (يوسف : 83) وبما قلت : ﴿اذهبو فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا ﴾ (يوسف : 87) وكذلك لما قال يوسف لصاحب الملك : ﴿اذكرني عند ربك ﴾ (يوسف : 42) ، قال الله تعالى : ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين﴾ (يوسف : 42) . وأمثال هذه الحكايات لا تنحصر ولم يرد بها القرآن والأخبار ورود الأسحار ، بل الغرض بها الاعتبار والاستبصار لتعلم أن الانبياء عليهم السلام لم يتجاوز عنهم فى الذنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم فى الذنوب الكبار ؟ نعم كانت سعادتهما فى أن عوجلوا بالعقوبة ولم يؤخروا إلى الآخرة ، والأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما ولأن عذاب الآخرة أشد وأكبر ، فهذا أيضا مما ينبغى أن يكثر جنسه على أسماع المصرين فإنه نافع فى تحريك دواعى التوبة .

( النوع الثالث ) : أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة فى الدنيا متوقع على الذنوب ، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته ، فرب عبد يتساهل فى أمر الآخرة ويخاف من عقوبة الله فى الدنيا اكثر لفرط جهله ، فينبغى أن يخوف به ، فإن الذنوب كلها يتعجل فى الدنيا شؤمها فى غالب الأمر ، ، حتى إنه قد يضيق على العبد رزقه بسبب ذنوبه وقد تسقط منزلته من القلوب ويستولى عليه أعداؤه ، قال صلى الله عليه وسلم : (( إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه )) وقال ابن مسعود : إنى لأحسب أن العبد ينسى العلم بالذنب يصيبه ، وهو معنى قوله عليه السلام : (( من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا )) .وقال بعض السلف : ليست اللعنة سوادا فى الوجه ونقصا فى المال ، إنما اللعنة أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت فى مثله أو شر منه ، وهو كما قال ، لأن اللعنه هى الطرد والإبعاد فإذا لم يوفق للخير ويسر له الشر فقد أبعد ، والحرمان عن رزق التوفيق أعظم حرمان ، وكل ذنب فإنه يدعو إلى ذنب آخر ويتضاعف فيحرم العبد به عن رزقه النافع من مجالسة العلماء المنكرين للذنوب ، ومن مجالسة الصالحين ، بل يمقته الله تعالى ليمقته الصالحون . قال الفضيل : ما أنكرت من تغير الزمان وجفاء الإخوان فذنوبك ورثتك ذلك ، وقال بعضهم : إنى لأعرف عقوبة ذنبى فى سوء خلق حمارى . وقال آخر : أعرف العقوبة حتى فى فأر بيتى

وفى الخبر (( يقول الله تعالى : إن أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتى أن أحرمه لذيذ مناجاتى ))

واعلم أنه لا يذنب العبد ذنبا إلا ويسود وجه قلبه ، فإن كان سعيدا أظهر السواد على ظاهره لينزجر ، وإن كان شقيا أخفى عنه حتى ينهمك ويستوجب النار . والأخبار كثيرة فى آفات الذنوب فى الدنيا من الفقر والمرض وغيره ، بل من شؤم الذنب فى الدنيا على الجملة أن يكسب ما بعده صفته ، فإن ابتلى بشىء كان عقوبة له ويحرم جميل الرزق حتى يتضاعف شقاؤه ، وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على كفرانه ، وأما المطيع فمن بركة طاعته أن تكون كل نعمة فى حقه جزاء على طاعته ويوفق لشكرها ، وكل بلية كفارة لذنوبه وزيادة فى درجاته .



صلى الله عليه وسلم حيث قال له واحد : أوصنى يا رسول الله ولا تكثر على ، قال : (( لا تغضب )) وقال له آخر : أوصنى يا رسول الله ، فقال عليه السلام : (( عليك باليأس مما فى أيدي الناس فإن ذلك هو الغنى ، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر ، وصل صلاة مودع ، وإياك وما يعتذر منه )) وقال رجل لمحمد بن واسع : أوصنى ، فقال : أوصيك أن تكون ملكا فى الدنيا والآخرة ، قال : وكيف لى بذلك ؟ قال : الزم الزهد فى الدنيا . فكأنه صلى الله عليه وسلم توسم فى السائل الأول مخايل الغضب فنهاه عنه وفى السائل الآخر مخايل الطمع فى الناس وطول الأمل . وتخيل محمد بن واسع فى السائل مخايل الحرص على الدنيا ، وقال رجل لمعاذ : أوصنى ، فقال : كن رحيما أكن لك بالجنة زعيما . فكأنه تفرس فيه آثار الفظاظة والغلظة ، وقال رجل لإبراهيم بن أدهم : أوصنى ، فقال : إياك والناس ، وعليك بالناس ، ولا بد من الناس ، فان الناس هم الناس ، وليس كل الناس بالناس ، ذهب الناس وبقى النسناس ، وما أراهم بالناس بل غمسوا فى ماء الياس . فكأنه تفرس فيه آفة المخالطة ، وأخبر عما كان هو الغالب على حاله فى وقته ، وكان الغالب أذاه بالناس ، والكلام على قدر حال السائل أولى من أن يكون بحسب حال القائل . وكتب معاوية رحمه الله إلى عائشة رضى الله عنها : أن اكتبى لى كتابا توصينى فيه ولا تكثري . فكتبت إليه : من عائشة إلى معاوية سلام الله عليك أما بعد ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ، ومن التمس سخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس )) والسلام عليك . فانظر إلى فقهها كيف تعرضت للآفة التى تكون الولاة بصددها ، وهى مراعاة الناس وطلب مرضاتهم . وكتبت إليه مرة أخرى ، أما بعد : فاتق الله فإنك إذا اتقيت الله كفاك الناس , وإذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا والسلام . فإذن على كل ناصح أن تكون عنايته مصروفة إلى تفرس الصفات الخفية وتوسم الأحوال اللائقة ليكون اشتغاله بالمهم , فإن حكاية جميع مواعظ الشرع مع كل واحد غير ممكنة والاشتغال بوعظه بما هو مستغن عن التوعظ فيه تضييع زمان .

فإن قلت : فإن كان الواعظ يتكلم فى جمع أو سأله من لا يدرى باطن حاله أن يعظه فكيف يفعل ؟ فاعلم أن طريقة فى ذلك أن يعظه بما يشترك كافة الخلق فى الحاجة إليه , إما على العموم وإلا على الأكثر , فإن فى علوم الشرع أغذية وأدوية فالأغذية للكافة , والأدوية لأرباب العلل . ومثاله ما روى أن رجلا قال لأبى سعيد الخدرى : أوصنى , قال : عليك بتقوى الله عز وجل , فإنها رأس كل خير , وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام , وعليك بالقرآن فإنه نور لك فى أهل الأرض وذكر لك فى أهل السماء وعليك بالصمت إلا من خير , فإنك بذلك تغلب الشيطان . وقال رجل للحسن : أوصنى , فقال : أعز أمر الله يعزك الله . وقال لقمان لابنه : يا بنى زاحم العلماء بركبتيك ولا تجادلهم فيمقتوك , وخذ من الدنيا بلاغك , وأنفق فضول كسبك لآخرتك , ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا , وعلى أعناق الرجال كلا , وصم صوما يكسر شهوتك , ولا تصم صوما يضر بصلاتك , فإن الصلاة أفضل من الصوم , ولا تجالس السفيه , ولا تخالط ذا الوجهين . وقال أيضا لابنه : يا بنى لا تضحك من غير عجب , ولا تمش فى غير أرب , ولا تسأل عما لا يعنيك , ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك , فإن مالك ما قدمت ومال غيرك , ما تركت , يا بنى إن من يرحم يرحم , ومن يصمت يسلم , ومن يقل الخير يغنم , ومن يقل الشر يأثم , ومن لا يملك لسانه يندم . وقال رجل لأبى حازم : أوصنى , فقال : كل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته غنيمة فالزمه , وكل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه . وقال موسى للخضر عليهما السلام : أوصنى , فقال : كن بساما ولا تكن غضابا , وكن نفاعا ولا تكن ضرارا , وانزع عن اللجاجة , ولا تمش فى غير حاجة , ولا تضحك من غير عجب , ولا تعير الخطائين بخطاياهم , وابك على خطيئتك يا ابن عمران . وقال رجل لمحمد بن كرام : أوصنى , فقال : اجتهد فى رضا خالقك بقدر ما تجتهد فى رضا نفسك . وقال رجل لحامد اللفاف : أوصنى , فقال : اجعل لدينك غلافا كغلاف المصحف أن تدنسه الآفات , قال : وما غلاف الدين ؟ قال : ترك طلب الدنيا إلا مالا بد منه , وترك كثرة الكلام إلا فيما لا بد منه , وترك مخالطة الناس إلا فيما لا بد منه . وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى أما بعد : فخف مما خوفك الله , وأحذر مما حذرك الله , وخذ مما فى يديك لما بين يديك , فعند الموت يأتيك الخبر اليقين والسلام . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن يسأل أن يعظه , فكتب إليه : أما بعد , فإن الهول الأعظم والأمور المفظعات أمامك , ولا بد لك من مشاهدة ذلك , إما بالنجاة وإما بالعطب , واعلم أن من حاسب نفسه ربح , ومن غفل عنها خسر , ومن نظر فى العواقب نجا , ومن أطاع هواه ضل , ومن حلم غنم , ومن خاف أمن , ومن أمن اعتبر , ومن اعتبر أبصر , ومن أبصر فهم , ومن فهم علم , فإذا زللت فارجع , وإذا ندمت فاقلع , وإذا جهلت فاسأل , وإذا غضبت فأمسك . وكتب مطرف بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله : أما بعد , فإن الدنيا دار عقوبة ولها يجمع من من لا عقل له , وبها يغتر من لا علم عنده , فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوى جرحه , يصبر على شدة الدواء لما يخاف من عاقبة الداء . وكتب عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه إلى عدى بن أرطاة : أما بعد , فإن الدنيا عدوة أولياء الله , وعدوة أعداء الله , فأما أولياؤه فغمتهم , وأما أعداؤه فغرتهم . وكتب أيضا إلى بعض عماله : أما بعد , فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد , فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة الله عليك , واعلم أنك لا تأتى إلى الناس شيئا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك , واعلم أن الله عز وجل آخذ للمظلومين من الظالمين والسلام . فهكذا ينبغى أن يكون وعظ العامة ووعظ من لا يدرى خصوص واقعته , فهذه المواعظ مثل الأغذية التى يشترك الكافة فى الانتفاع بها . ولأجل فقد مثل هؤلاء الوعاظ انحسم باب الاتعاظ وغلبت المعاصى واستسرى الفساد , وبلى الخلق بوعاظ يزخرفون أسجاعا وينشدون أبياتا ويتكلفون ذكر ما ليس فى سعة علمهم , ويتشبهون بحال غيرهم فسقط عن قلوب العامة وقارهم , ولم يكن كلامهم صادرا من القلب ليصل إلى القلب , بل القائل متصلف , والمستمع متكلف وكل واحد منهما مدبر ومتخلف فإذن كان طلب الطبيب أول علاج المرضى , وطلب العلماء أول علاج العاصين . فهذا أحد أركان العلاج وأصوله .

(الأصل الثانى) الصبر . ووجه الحاجة إليه أن المريض إنما يطول مرضه لتناوله ما يضره , وإنما يتناول ذلك : إما لغفلته عن مضرته , وإما لشدة غلبة شهوته , فله سببان فما ذكرناه هو علاج الغفلة , فيبقى علاج الشهوة , وطريق علاجها قد ذكرناه فى كتاب رياضة النفس , وحاصله أن المريض إذا اشتدت ضراوته لمأكول مضر فطريقة أن يستشعر عظم ضرره , ثم يغيب ذلك عن عينه فلا يحضره , ثم يتسلى عنه بما يقرب منه فى صورته ولا يكثر ضررة . ثم يصبر بقوة الخوف على الألم الذى يناله فى تركه فلا بد على كل حال من مرارة الصبر , فكذلك يعالج الشهوة فى المعاصى . كالشاب مثلا إذا غلبته الشهوة فصار لا يقدر على حفظ عينه ولا حفظ قلبه أو حفظ جوارحه فى السعى وراء شهوته , فينبغى أن يستشعر ضرر ذنبه بأن يستقرى المخلوقات التى جاءت فيه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا اشتد خوفه تباعد من الأسباب المهيجة لشهوته , ومهيج الشهوة من خارج هو حضور المشتهى والنظر إليه , وعلاجه الهرب والعزلة ومن داخل : تناول لذائذ الأطعمة , وعلاجه الجوع والصوم الدائم , وكل ذلك لا يتم إلا بصبر , ولا يصبر إلا عن خوف , ولا يخاف إلا عن علم , ولا يعلم إلا عن بصيرة وافتكار أو عن سماع وتقليد , فأول الأمر حضور مجالس الذكر , ثم الاستماع من قلب مجرد عن سائر الشواغل مصروف إلى السماع , ثم التفكر فيه لتمام الفهم , وينبعث من تمامه لا محالة خوفة , وإذا قوى الخوف تيسر بمعونته الصبر , وانبعثت الدواعى لطلب العلاج , وتوفيق الله وتيسيره من وراء ذلك . فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء , واستشعر الخوف فاتقى وانتظر الثواب وصدق بالحسنى فسييسره والله تعالى لليسرى . وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسييسره الله للعسرى , فلا يغنى عنه ما اشتغل به من ملاذ الدنيا مهما هلك وتردى . وما على الأنبياء إلا شرح طرق الهدى وإنما لله الآخرة والأولى .

فإن قلت : فقد رجع الأمر كله إلى الإيمان لأن ترك الذنب لا يمكن إلا بالصبر عنه ، والصبر لا يمكن إلا بمعرفة الخوف ، والخوف لا يكون إلا بالعلم ، والعلم لا يحصل إلا بالتصديق بعظم بعزم ضرر الذنوب والتصديق بعظم ضرر الذنوب هو تصديق الله ورسوله وهو الإيمان ، فكأن من أصر على الذنب لم يصر عليه إلا لأنه غير مؤمن ؟ فاعلم أن هذا لا يكون لفقد الإيمان بل يكون لضعف الإيمان ، إذ كل مؤمن مصدق بأن المعصية سبب البعد من الله تعالى وسبب العقاب في الآخرة ، ولكن سبب وقوعه في الذنب أمور . ( أحدها ) أن العقاب الموعود غيب ليس بحاضر ، والنفس جبلت متأثرة بالحاضر ، فتأثرها بالموعود ضعيف بالإضافة إلى تأثرها بالحاضر . ( الثانى ) أن الشهوات الباعثة على الذنوب لذاتها ناجزة ، وهى في الحال آخذة بالمخنق وقد قوى ذلك واستولى عليها بسبب الاعتياد ، والإلف - والعادة طبيعة خامسة - والنزوع عن العاجل لخوف الآجل شديد على النفس ، ولذلك قال تعالى : ﴿ كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ﴾ (القيامة : 20 ، 21) ، وقال عز وجل : ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ (الأعلى : 16) وقد عبر عن شدة الأمر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات )) وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله تعالى خلق النار فقال لجبريل عليه السلام : اذهب فانظر إليها ، فنظر فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها ، فحفها بالشهوات ثم قال : اذهب فانظر اليها ، فنظر فقال : وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها . وخلق الجنة فقال لجبريل عليه السلام : اذهب فانظر إليها ، فنظر فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، فحفها بالمكاره ثم قال : اذهب فانظر إليها ، فنظر إليها فقال : وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد )) فإذا كون الشهوة مرهقة فى الحال ، وكون العقاب متأخرا إلى المآل سببان ظاهران فى الاسترسال مع حصول أصل الإيمان ، فليس كل من يشرب فى مرضه ماء الثلج لشدة عطشه مكذبا بأصل الطب ولا مكذبا بأن ذلك مضر فى حقه ، ولكن الشهوة تغلبه ، وألم الصبر عنه ناجز فيهون عليه الألم المنتظر . ( الثالث ) أنه ما من مذنب مؤمن إلا وهو فى الغالب عازم على التوبة وتكفير السيئات بالحسنات ، وقد وعد بأن ذلك يخبره إلا أن طول الأمل غالب على الطباع فلا يزال يسوف التوبة والتكفير ، فمن حيث رجاؤه التوفيق للتوبة ربما يقدم عليه مع الإيمان . ( الرابع ) أنه ما من مؤمن موقن إلا وهو معتقد أن الذنوب لا توجب العقوبة إيجابا لا يمكن العفو عنها ، فهو يذنب وينتظر العفو عنها اتكالا على فضل الله تعالى . فهذه أسباب أربعة موجبة للإصرار على الذنب مع بقاء أصل الإيمان . نعم قد يقدم المذنب بسبب خامس يقدح فى أصل إيمانه وهو كونه شاكا فى صدق الرسل وهذا هو الكفر ، كالذى يحذره الطبيب عن تناول ما يضره فى المرض ، فإن كان المحذر ممن لا يعتقد فيه أنه عالم بالطب فيكذبه أو يشك فيه فلا يبالى به فهذا هو الكفر .

فإن قلت : فما علاج الأسباب الخمسة ؟ فأقول : هو الفكر ، وذلك بأن يقرر على نفسه فى السبب الأول ، وهو تأخر العقاب أن كل ما هو آت آت ، وأن غدا للناظرين قريب ، وأن الموت أقرب إلى كل أحد من شراك نعله ، فما يدريه لعل الساعة قريب ، والمتأخر إذا وقع صار ناجزا ويذكر نفسه أنه أبدا فى دنياه يتعب فى الحال لخوف أمر فى الاستقبال ، إذ يركب البحار ويقاسى الاسفار لأجل الربح الذى يظن أنه قد يحتاج إليه فى ثانى الحال ، بل لو مرض فأخبره طبيب نصرانى بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت ، وكان الماء البارد ألذ الأشياء عنده تركه ، مع أن الموت ألمه لحظة إذا لم يخف ما بعده ، ومفارقته للدنيا لا بد منها فكم نسبة وجوده فى الدنيا إلى عدمه أزلا وأبدا ؟ فلينظر كيف يبادر إلى ترك ملاذه بقول ذمى لم تقم معجزة على طبه فيقول : كيف يليق بعقلى أن يكون قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات عندي دون قول نصرانى يدعى الطب لنفسه بلا معجزة على طبه ولا يشهد له إلا عوام الخلق ؟ وكيف يكون عذاب النار عندي أخف من عذاب المرض وكل يوم فى الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا ؟ وبهذا التفكر بعينه يعالج اللذة الغالبة عليه ، ويكلف نفسه تركها ويقول : إذا كنت لا أقدر على ترك لذاتى أيام العمر وهى أيام قلائل فكيف أقدر على ذلك أبد الآباد ؟ وإذا كنت لا أطيق ألم الصبر ، فكيف أطيق ألم النار ؟ وإذا كنت لا أصبر عن زخارف الدنيا مع كدوراتها وتنغصها وامتزاج صفوها بكدرها فكيف أصبر عن نعيم الآخرة ؟ وأما تسويف التوبة فيعالجه بالفكر فى أن أكثر صياح أهل النار من التسويف ، لأن المسوف يبنى الأمر على ما ليس إليه وهو البقاء فلعله لا يبقى ، وإن بقى فلا يقدر على الترك غدا ، كما لا يقدر عليه اليوم ، فليت شعرى هل عجز فى الحال إلا لغلبة الشهوة ، والشهوة ليست تفارقه غدا ، بل تتضاعف إذ تتأكد بالاعتياد ، فليست الشهوة التى أكدها الإنسان بالعادة كالتى لم يؤكدها ، وعن هذا هلك المسوفون لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين ، ولا يظنون أن الأيام متشابهة فى أن ترك الشهوات فيها أبدا شاق . وما مثال المسوف إلا مثاله من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة فقال : أؤخرها سنة ثم أعود إليها ، وهو يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها ، وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه ، فلا حماقة فى الدنيا أعظم من حماقته ، إذ عجز مع قوته عن مقاومة ضعيف فأخذ ينتظر الغلبة عليه إذا ضعف هو فى نفسه وقوى الضعيف .

وأما المعنى الرابع : وهو انتظار عفو الله تعالى . فعلاجه ما سبق ، وهو كمن ينفق جميع أمواله ويترك نفسه وعياله فقراء منتظرا من فضل الله تعالى أن يرزقه العثور على كنز فى أرض خربة ، فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان ، وهو مثل من يتوقع النهب من الظلمة فى بلدة وترك ذخائر أمواله فى صحن داره ، وقدر على دفنها وإخفائها فلم يفعل ، وقال : أنتظر من فضل الله تعالى أن يسلط غفلة أو عقوبة على الظالم الناهب حتى لا يتفرغ إلى دارى أو إذا انتهى إلى دارى مات على باب الدار ، فإن الموت ممكن والغفلة ممكنة ، وقد حكى فى الأسمار أن مثل ذلك وقع فأنا أنتظر من فضل الله مثله . فمنتظر هذا منتظر أمر ممكن ولكنه فى غاية الحماقة والجهل ، إذ قد لا يمكن ولا يكون .

وأما الخامس : وهو شك ، فهذا كفر ، وعلاجه الأسباب التى تعرفة صدق الرسل ، وذلك يطول . ولكن يمكن أن يعالج بعلم قريب يليق بحد عقله ، فيقال له : ما قاله الأنبياء المؤيدون بالمعجزات هل صدقة ممكن أو تقول : أعلم أنه محال كما أعلم استحالة شخص واحد ؟ فى مكانين فى حالة واحدة فإن قال : أعلم استحالته كذلك فهو أخرق معتوه , وكأنه لا وجود لمثل هذا فى العقلاء ، وإن قال : أنا شاك فيه , فيقال : لو أخبرك شخص واحد مجهول عند تركك طعامك فى البيت لحظة أنه ولغت فيه حية وألقت سمها فيه وجوزت صدقة فهل تأكله أو تتركه وإن كان ألذ الأطعمة , فيقول : أتركه لا محالة لأنى أقول : إن كذب فلا يفوتنى إلا هذا الطعام والصبر عنه , وإن كان شديدا فهو قريب , وإن صدق فتفوتنى الحياة ، والموت بالإضافة إلى ألم الصبر عن الطعام وإضاعته شديد ، فيقال له : يا سبحان الله كيف تؤخر صدق الأنبياء كلهم مع ما ظهر لهم من المعجزات وصدق كافة الأولياء والعلماء والحكماء بل جميع أصناف العقلاء - ولست أعنى بهم جهال العوام بل ذوى الألباب - عن صدق رجل واحد مجهول لعل له غرضا فيما يقول ؟ فليس فى العقلاء إلا من صدق باليوم الآخروأثبت ثوابا وعقابا وإن اختلفوا فى كيفيته ، فإن صدقوا فقد أشرفت على عذاب يبقى أبد الآباد ، وإن كذبوا فلا يفوتك إلا بعض شهوات هذه الدنيا الفانية المكدرة فلا يبقى له توقف إن كان عاقلا مع هذا الفكر إذ لا نسبة لمدة العمر إلى أبد الآباد ، بل لو قدرنا الدنيا مملوءة بالذرة وقدرنا طائرا يلتقط فى كل ألف ألف سنة حبة واحدة منها لفنيت الذرة ولم ينقص أبد الآباد شيئا ، فكيف يفتر رأى العاقل فى الصبر عن الشهوات مائة سنة مثلا لأجل سعادة تبقى أبد الآباد ؟ ولذلك قال أبو العلاء أحمد بن سليمان التنوخى المعري :

قال المنجـم والطبيـب كلاهمـا لا تبعـث الأمـوات قلت إليكما

إن صـح قولكمـا فلست بخاسر أو صـح قولى فالخسار عليكمـا

لذلك قال على رضى الله عنه لبعض من قصر عقله عن فهم تحقيق الأمور وكان شاكا : إن صح ما قلت فقد تخلصنا جميعا وإلا فقد تخلصت وهلكت ! أى العاقل يسلك طريق الأمن فى جميع الأحوال .

فإن قلت : هذه الأمور جلية ولكنها ليست تنال إلا بالفكر فما بال القلوب هجرت الفكر فيها واستثقلته ؟ وما علاج القلوب لردها إلى الفكر لا سيما من آمن بأصل الشرع وتفصيله ؟ فاعلم أن المانع من الفكر أمران ( أحدهما ) أن الفكر النافع هو الفكر فى عقاب الآخرة وأهوالها وشدائدها وحسرات العاصين فى الحرمان عن النعيم المقيم ، وهذا فكر لداغ مؤلم للقلب فينفر القلب عنه ويتلذذ بالفكر فى أمور الدنيا على سبيل التفرج والاستراحة . ( والثاني ) أن الفكر شغل فى الحال مانع من لذائذ الدنيا وقضاء الشهوات ، وما من إنسان إلا وله فى كل حالة من أحواله ونفس من أنفاسه شهوة قد تسلطت عليه واسترقته فصار عقله مسخرا لشهوته فهو مشغول بتدبير حيلته ، وصارت لذته فى طلب الحيلة فيه أو فى مباشرة قضاء الشهوة والفكر يمنعه من ذلك . أما علاج هذين المانعين : فهو أن يقول لقلبه : ما أشد غباوتك فى الاحتراز من الفكر فى الموت وما بعده تألما بذكره مع استحقار ألم مواقعته ، فكيف تصبر على مقاساته إذا وقع وأنت عاجز عن الصبر على تقدير الموت وما بعده ومتألم به ؟ وأما الثانى وهو كون الفكر مفوتا للذات الدنيا : فهو أن يتحقق أن فوات لذات الآخرة أشد وأعظم ، فإنها لا آخر لها ولا كدورة فيها ، ولذات الدنيا سريعة الدثور ، وهى مشوبة بالمكدرات ، فما فيها لذة صافيه عن كدر ، وكيف وفى التوبة عن المعاصى والإقبال على الطاعة تلذذ بمناجاة الله تعالى واستراحة بمعرفته وطاعته وطول الأنس به ؟ ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة وروح الأنس بمناجاة الله تعالى لكان ذلك كافيا ، فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة ؟ نعم هذه اللذة لا تكون فى ابتداء التوبة ، ولكنها بعد ما يصير عليها مدة مديدة ، وقد صار الخير ديدنا ، كما كان الشر ديدنا ، فالنفس قابلة - ما عودتها تتعود - والخير عادة والشر لجاجة .

فإذن هذه الأفكار هى المهيجة للخوف المهيج لقؤة الصبر عن اللذات ، ومهيج هذه الأفكار وعظ الوعاظ وتنبيهات تقع للقلب بأسباب تتفق لا تدخل فى الحصر ، فيصير الفكر موافقا للطبع فيميل القلب إليه ، ويعبر عن السبب الذى أوقع الموافقة بين الطبع والفكر الذى هو سبب الخير بالتوفيق ، إذ التوفيق هو التأليف بين الإرادة ، وبين المعنى الذى هو طاعة نافعة فى الآخرة ، وقد روى فى حديث طويل : أنه قام عمار بن ياسر فقال لعلي بن ابى طالب كرم الله وجهه : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ماذا بنى ؟ فقال على رضى الله عنه : بنى على أربع دعائم : على الجفاء ، والعمى ، والغفلة ، والشك ، فمن جفا احتقر الحق وجهر بالباطل ومقت العلماء ،ن ومن عمى نسى الذكر ، ومن غفل حاد عن الرشد ، ومن شك غرته الأمانى فأخذته الحسرة والندامة وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب ،

هذا قليل من كثير عن التوبة وهو مختصر كتاب التوبة للإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله


التوبة 2

التوبة 2

التوبة هي ترك الذنب والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل ، وتفصيل ذلك يستدعى شرح التكليفات من أولها إلى آخرها .
بيان أقسام الذنوب

. قسمة1: اعلم أن الذنوب تقسم إلى ما بين العبد وبين الله تعالى وإلى ما يتعلق بحقوق العباد . وما يتعلق بالعباد فالأمر فيه أغلظ ، وما بين العبد وبين الله تعالى إذا لم يكن شركا فالعفو فيه أرجى وأقرب
قسمة 2 : اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر ، وقد كثر اختلاف الناس فيها قال تعالى : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾ ( النساء : 31 ) . وقال تعالى : ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ﴾ ( النجم : 32) وقال صلى الله عليه وسلم : (( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة يكفرن ما بينهن إن اجتنبت الكبائر )) وفى لفظ آخر : (( كفارات لما بينهن إلا الكبائر )) وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص : (( الكبائر : الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس )) . وكان ابن عباس إذا بلغه قول ابن عمر الكبائر سبع يقول : هن إلى سبعين أقرب منها إلى سبع . وقال مرة :كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة . وقال غيره : كل ما أوعد الله عليه بالنار فهو من الكبائر . وقال بعض السلف : كل ما أوجب عليه الحد فى الدنيا فهو كبيرة . وقال ابن مسعود لما سئل عنها : اقرأ من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها عند قوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ( النساء : 31 ) فكل ما نهى الله عنه فى هذه السورة إلى هنا فهو كبيرة . وقال أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة : إنكم لتعملون أعمالا هى أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر . وقالت طائفة : كل عمد كبيرة ، وكل ما نهى عنه فهو كبيرة وكشف الغطاء عن هذا أن نظر الناظر في السرقة أهى كبيرة أم لا : لا يصح ، ما لم يفهم معنى الكبيرة ، فالكبيرة من حيث اللفظ مبهم ليس له موضوع خاص في اللغة ولا في الشرع ، وذلك لأن الكبير والصغير من المضافات ، وما من ذنب إلا وهو كبير بالإضافة إلى ما دونه ، وصغير بالإضافة إلى ما فوقه ، فالمضاجعة مع الأجنبية بالاضافة إلى النظرة صغيرة بالإضافة إلى الزنا ، وقطع يد المسلم كبيرة إلى ضربة صغيرة بالاضافة إلى قتله . نعم للإنسان أن يطلق على ما توعد بالنار على فعله خاصة اسم الكبيرة ، ونعنى بوصفه بالكبيرة : أن العقوبة بالنار عظيمة ، وله أن يطلق على ما أوجب الحد عليه مصيرا إلى أن ما عجل عليه في الدنيا عقوبه واجبة عظيم ، وله أن يطلق على ما ورد في نص الكتاب النهى عنه فيقول : تخصيصه بالذكر في القرآن يدل على عظمه ، ثم يكون عظيما وكبيرة لا محالة ، بالاضافة إذ منصوصات القرآن أيضا تتفاوت درجاتها ، فهذه الإطلاقات لا حرج فيها ، وما نقل من ألفاظ الصحابه يتردد بين هذه الجهات ولا يبعد تنزيلها على شىء من هذه الاحتمالات ، نعم من المهمات أن تعلم معنى قول الله تعالى : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ ( النساء : 31 ) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الصلوات كفارات لما بينهن إلا الكبائر )) فإن هذا إثبات حكم الكبائر ، والحق في ذلك أن الذنوب منقسمة في نظر الشرع إلى ما يعلم استعظامه إياها ، وإلى ما يعلم إنها معدودة في الصغائر ، وإلى ما يشك فيه ، فلا يدرى حكمه ، فالطمع في معرفة حد حاصر أو عدد جامع مانع طلب لما لم يمكن ، فإن ذلك لا يمكن إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول : إني أردت بالكبائر عشرا أو خمسا ويفصلها فإن لم يرد هذا بل ورد في بعض الألفاظ (( ثلاث من الكبائر )) وفي بعضها (( سبع من الكبائر )) علم أنه لم يقصد به العدد بما يحصر ، فكيف يطمع في عدد ما لم يعده الشرع ؟ وربما قصد الشرع ابهامه ليكون العباد منه على وجل ، كما أبهم ليلة القدر ليعظم جد الناس في طلبها ،
الكبائر والإبهام أليق به حتى يكون الناس على وجل وحذر فلا يتجرءون على الصغائر اعتمادا على الصلوات الخمس ، وكذلك اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله تعالى : ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ ( النساء : 31 ) ولكن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة ، كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع ،

بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب

اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب : منها الإصرار والمواظبة ، ولذلك قيل : لا صغيرة مع إصرار ، ولا كبيرة مع استغفار . فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها لو تصور ذلك كان العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( خير الأعمال أدومها وإن قل ))
فكل كبيرة تكتنفها صغائر سابقة ولا حقة ولو تصورت كبيرة وحدها بغتة ولم يتفق إليها عود ربما كان العفو فيها أرجى من صغيرة واظب الإنسان عليها عمره . ومنها أن يستصغر الذنب ، فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى ، لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وكراهيته له ، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به ، واستصغاره يصدر عن الألف به ، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب ، وقد جاء في الخبر : (( المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره )) ، وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله ، فإذا نظر الى عظم من عصى به رأى الصغيرة كبيرة ، وبهذا الاعتبار قال بعض الصحابة رضى الله عنهم للتابعين : وإنكم لتعملون أعمالا هى في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات . إذ كانت معرفة الصحابة بجلال الله أتم فكانت الصغائر عندهم بالإضافة الى جلال الله تعالى من الكبائر ، وبهذا السبب يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل ، ويتجاوز عن العامى في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن العارف ، لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالف ، ومنها السرور بالصغيرة والفرح والتبجح بها واعتداد التمكن من ذلك نعمة والغفلة ، عن كونه سبب الشقاوة ، فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت الصغيرة وعظم أثرها في تسويد قلبه ، حتى ان من المذنبين من يتمدح بذنبه ، ويتبجح به لشدة فرحه بمقارفته إياه ، كما يقول : أما رأيتنى كيف مزقت عرضه ؟ ويقول المناظر في مناظرته : أما رأيتنى كيف فضحته ؟ وكيف ذكرت مساوية حتى أخجلته ؟ وكيف استخففت به ؟ وكيف لبست عليه ؟ ويقول المعامل في التجارة : أما رأيت كيف روجت عليه الزائف ؟ وكيف خدعته ؟ وكيف غبنته في ماله ؟ وكيف استحمقته ؟ فهذا وأمثاله تكبر به الصغائر ، ، ومنها أن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه ولا يدرى أنه إنما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال إثما ، فيظن أن تمكنه من المعاصى عناية من الله تعالى به ، فيكون ذلك لأمنه من مكر الله وجهله بمكامن الغرور بالله ، كما قال تعالى : ﴿ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ﴾ ( المجادلة : 8 ) ومنها أن يأتى الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه أو يأتيه في مشهد غيره فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذى سدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله ، فهما جنايتان انضمتا الى جنايته فغلظت به ، فإن انضاف الى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه وتهيئة الأسباب له صارت جناية رابعه وتفاحش الأمر ، وفى الخبر : (( كل الناس معافى إلا المجاهرين يبيت أحدهم على ذنب قد ستره الله عليه فيصبح فيكشف ستر الله ويتحدث بذنبه )) وهذا لأن من صفات الله ونعمه أنه يظهر الجميل ويستر القبيح ولا يهتك الستر . فالإظهار كفران لهذه النعمة . وقال بعضهم : لا تذنب فإن كان ولا بد فلا ترغب غيرك فيه فتذنب ذنبين ، ولذلك قال تعالى : ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ﴾ ( التوبة : 67 ) وقال بعض السلف : ما انتهك المرء من أخيه حرمه أعظم من أن يساعده على معصية ثم يهونها عليه . ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدى به فإذا فعله بحيث يرى ذلك منه كبر ذنبه كلبس العالم الإبريسم وركوبه مراكب الذهب ، وأخذه مال الشبهة من أموال السلاطين ، ودخوله على السلاطين وتردده عليهم ومساعدته إياهم بترك الإنكار عليهم وإطلاق اللسان فى الأعراض وتعديه باللسان في المناظرة وقصده الاستخفاف واشتغاله من العلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه كعلم الجدل والمناظرة . فهذه ذنوب يتبع العالم عليها فيموت العالم ويبقى شره مستطيرا فى العالم آماد متطاولة ، فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه وفى الخبر : (( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا )) وقال تعالى : ﴿ ونكتب ما قدموا وآثارهم ﴾ ( يس : 12 ) والآثار ما يلحق من الأعمال بعد انقضاء العمل والعامل . وقال ابن عباس : ويل للعالم من الاتباع ، يزل زلة فيرجع عنها ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق . وقال بعضهم : مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق ويغرق أهلها . وكما تتضاعف أوزارهم على الذنوب فكذلك يتضاعف ثوابهم على الحسنات إذا أتبعوا ، فإذا ترك التجمل والميل الى الدنيا وقنع منها باليسير ، ومن الطعام بالقوت ، ومن الكسوة بالخلق ، فيتبع عليه ويقتدي به العلماء والعوام فيكون له مثل ثوابهم ، وإن مال الى التجمل مالت طباع من دونه الى التشبه به ولا يقدرون على التجمل إلا بخدمة السلاطين وجمع الحطام من الحرام ، ويكون هو السبب في جميع ذلك ، فحركات العلماء في طورى الزيادة والنقصان ، تتضاعف آثارها أما بالربح ، وإما بالخسران .
وأما المعاصى فيجب أن يفتش من أول بلوغه عن سمعه وبصره ولسانه وبطنه ويده ورجله وفرجه وسائر جوارحه ، ثم ينظر في جميع أيامه وساعاته ، ويفصل عند نفسه ديوان معاصيه حتى يطلع على جميعها ؛ صغائرها وكبائرها ثم ينظر فيها ، فما كان من ذلك بينه وبين الله تعالى من حيث لا يتعلق بمظلمة العباد ، كنظر الى غير محرم وشرب خمر وسماع ملاه وغيره ذلك مما لا يتعلق بمظالم العباد ، فالتوبة عنها بالندم والتحسر عليها وبأن يحسب مقدارها من حيث الكبر ومن حيث المدة ويطلب لكل معصية منها حسنة تناسبها فيأتى من الحسنات بمقدار تلك السيئات أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم : (( اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها )) بل من قوله تعالى : ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ ( هود : 114 ) فيكفر سماع الملاهى بسماع القرآن وبمجالس الذكر ويكفر شرب الخمر بالتصدق بشراب حلال هو أطيب منه وأحب إليه ، وعد جميع المعاصى غير ممكن وإنما المقصود سلوك الطريق المضادة فإن المرض يعالج بضده ، فكل ظلمة ارتفعت إلى القلب بمعصية فلا يمحوها إلا نور يرتفع إليها بحسنة تضادها ، ، قال صلى الله عليه وسلم : (( من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهموم )) وفى لفظ آخر (( إلا الهم بطلب المعيشة )) وفى حديث عائشة رضى الله عنها : (( إذا كثرت ذنوب العبد ، ولم تكن له أعمال تكفرها أدخل الله تعالى عليه الهموم فتكون كفارة لذنوبه )) ويقال : إن الهم الذى يدخل على القلب والعبد لا يعرف هو ظلمه الذنوب والهم بها ،.
، ومظالم العباد إما فى النفوس أو الأموال أو الأعراض أو القلوب أعنى به الإيذاء المحض . أما النفوس فإن جرى عليه قتل خطأ فنوبته بتسليم الدية ووصولها الى المستحق إما منه أو من عاقلته وهو فى عهدة ذلك قبل الوصول ، وإن كان عمدا موجبا للقصاص فبالقصاص ، فإن لم يعرف فيجب عليه أن يتعرف عند ولى الدم ويحكمه فى روحه فإن شاء عفا عنه وإن شاء قتله ولا تسقط عهدته إلا بهذا ، ولا يجوز له الإخفاء وليس هذا كما لو زنى أو شرب أو سرق أو قطع الطريق أو باشر ما يجب عليه فيه حد الله تعالى فإنه لا يلزمه فى التوبة أن يفضح نفسه ويهتك ستره ويلتمس من الوالى استيفاء حق الله تعالى ، بل عليه أن بستر الله تعالى ويقيم حد الله ، على نفسه بأنواع المجاهدة والتعذيب ، فالعفو فى محض حقوق الله تعالى قريب من التائبين النادمين فإن أمر هذه الى الوالى حتى أقام عليه الحد وقع موقعه وتكون توبته صحيحة مقبوله عند الله تعالى بدليل ما روى أن ما عز بن مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنى قد ظلمت نفسى وزنيت ، وإنى أريد أن تطهرنى ، فرده ، فلما كان من الغد اتاه فقال : يا رسول الله إنى قد زنيت ، فرده الثانية ، فلما كان فى الثالثة ، أمر به فحفر له حفرة ثم أمر به فرجم ، فكان الناس فيه فريقين : فقائل يقول لقد هلك وأحاطت به خطيئته ، وقائل يقول ما توبة أصدق من توبته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لو سعتهم )) . وجاءت الغامدية فقالت : يا رسول الله إنى قد زنيت فطهرنى ، فردها ، فلما كان من الغد قالت : يا رسول الله لم تردنى لعلك تريد أن ترددنى كما رددت ما عزا فو الله إنى لحبلى ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أما الآن فاذهبي حتى تضعي )) ، فلما ولدت أتت بالصبى فى خرقة فقالت : هذا قد ولدته ، قال : (( اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه )) فلما فطمته أتت بالصبي وفى يده كسرة خبز فقالت : يانبى الله قد فطمته وقد أكل الطعام ، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها ، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجهه فسبها ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال : (( مهلا يا خالد فو الذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له )) ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت .
وأما القصاص وحد القذف : فلا بد من تحليل صاحبه المستحق فيه ، وإن كان المتناول مالا تناوله بغصب أو خيانة أو غبن فى معاملة بنوع تلبيس كترويج زائف أو ستر عيب من المبيع أو نقص أجرة أجير أو منع اجرته فكل ذلك يجب أن يفتش عنه لا من حد بلوغه بل من أول مدة وجوده ، فإن ما يجب فى مال الصبى يجب على الصبي إخراجه بعد البلوغ إن كان الولى قد قصر فيه ، فإن لم يفعل كان ظالما مطالبا به إذ يستوى فى الحقوق المالية الصبي والبالغ وليحاسب نفسه على الحبات والدوانق من أول يوم حياته إلى يوم توبته قبل أن يحاسب فى القيامة ، وليناقش قبل أن يناقش ، فمن لم يحاسب نفسه فى الدنيا طال فى الآخرة حسابه ، فإن حصل مجموع ما عليه بظن غالب ونوع من الاجتهاد ممكن فليكتبه وليكتب أسامى أصحاب المظالم واحدا واحدا ، وليطف فى نواحى العالم وليطلبهم وليستحلهم أو ليؤد حقوقهم ، وهذه التوبة تشق على الظلمة وعلى التجار فإنهم لا يقدرون على طلب المعاملين كلهم ولا على طلب ورثتهم ، ولكن على كل واحد منهم أن يفعل منه ما يقدر عليه فإن عجز فلا يبقى له طريق إلا أن يكثر من الحسنات حتى تفيض عنه يوم القيامة فتؤخذ حسناته وتوضع فى موازين أرباب المظالم ، ولكن كثرة حسناته بقدر كثرة مظالمه فإنه إن لم تف بها حسناته حمل من سيئاته أرباب المظالم فيهلك بسيئات غيره ، فهذا طريق كل تائب فى رد المظالم وهذا يوجب استغراق العمر فى الحسنات لو طال العمر بحسب طول مدة الظلم فكيف وذلك مما لا يعرف ؟ وربما يكون الأجل قريبا ؟ فينبغى أن يكون تشميرة للحسنات ، والوقت ضيق أشد من تشميرة الذى كان فى المعاصى فى متسع الأوقات ، هذا حكم المظالم الثابتة فى ذمته .


أما أمواله الحاضرة : فليرد إلى المالك ما يعرف له مالكا معينا وما لا يعرف له مالكا فعليه أن يتصدق به ، فإن اختلط الحلال بالحرام فعليه أن يعرف قدر الحرام بالاجتهاد ، ويتصدق بذلك المقدار

وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوؤهم أو يعبهم فى الغيبة فيطلب كل من تعرض له بلسان أو آذى قلبه بفعل من أفعاله وليستحل واحدا واحدا منهم ، ومن مات أو غاب فقد فات أمره ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات لتؤخذ منه عوضا فى القيامة ، وأما من وجده وأحله بطيب قلب منه فذلك كفارته ، وعليه أن يعرفه قدر جنايته ، وتعرضه له فالاستحلال المبهم لا يكفى ، وربما لو عرف ذلك وكثرة تعدية عليه لم تطب نفسه بالإحلال وادخر ذلك فى القيامة ذخيرة يأخذها من حسناته أو يحمله من سيئاته ، فإن كان فى جملة جنايته على الغير ما لو ذكره وعرفه لتأذى بمعرفته كزناه بجاريته أو أهله أو نسبته باللسان إلى عيب من خفايا عيوبه يعظم أذاه مهما شوفة به فقد انسد عليه طريق الاستحلال ، فليس له إلا أن يستحل منها ثم تبقى له مظلمة فليجبرها بالحسنات كما يجبر مظلمة الميت والغائب .

وفى المتفق عليه من الصحيحين عن أبى سعيد الخدرى أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال : (( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا ، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة ؟ قال : لا، فقتله ، فكمل به مائة . ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال له : إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ قال : نعم ، ومن يحول بينه وبين التوبة ، انطلق إلى الأرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله عز وجل فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط . فأتاهم ملك فى صورة آدمي فجعلوه حكما بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له . فقاسوا ، فوجوده أدنى إلى الأرض التى أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة )) وفى رواية (( فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر فجعل من أهلها )) وفى رواية (( فأوحى الله تعالى الى هذه أن تباعدى وإلى هذه أن تقربى ، وقال : قيسوا ما بينهما ، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر ، فغفر له )) فبهذا تعرف أنه لاخلاص إلا برجحان ميزان الحسنات ولو بمثقال ذرة ، فلا بد للتائب من تكثير الحسنات ، هذا حكم القصد المتعلق بالماضى .

وأما العزم المرتبط بالاستقبال فهو أن يعقد مع الله عقدا مؤكدا ويعاهده بعهد وثيق أن لا يعود إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها ، ولا يكون تائبا ما لم يتأكد عزمه فى الحال ، ولا يتصور أن يتم ذلك للتائب فى أول أمره إلا بالعزلة والصمت وقلة الأكل والنوم وإحراز قوت حلال ، فإن كان له مال موروث حلال أو كانت له حرفة يكتسب بها قدر الكفاية فليقتصر عليه ، فإن رأس المعاصى أكل الحرام فكيف يكون تائبا مع الإصرار عليه ، ولا يكتفى بالحلال وترك الشبهات من لا يقدر على ترك الشهوات فى المأكولات والملبوسات



، والخوف إذا كان من فعل ماض أورث الندم ، والندم يورث العزم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( الندم توبة )) ولم يشترط الندم على كل ذنب وقال : (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )) ولم يقل التائب من الذنوب كلها .





الأربعاء، 4 أغسطس 2010

التوبة

الأربعاء، 28 يوليو 2010

الاستعداد لرمضان : 1- التوبة

الاستعداد لرمضان :1- التوبة


أول شئ نفعله استعدادا لرمضان هو التوبة
ولكن ما هي التوبة ؟

في الواقع التوبة أمر مشكل وما ذلك إلا بسبب أننا حرفنا معني الذنب وحصرناه علي جزء منه ، وبالتالي حين نتحدث عن التوبة لا يتبادر إلي الأذهان إلا هذا الجزء ، كما أننا إذا ما تحدثنا عن التوبة إنصرفت الأذهان إلي هؤلاء الذين يتسكعون ويتلكعون في الطرقات وغيرها يلهون ويعبثون ويمجنون

هل يتبادر إلي الذهن الحكام والعلماء والدعاة وطلبة العلم وأنهم مقصرون مذنبون تجب في حقهم توبة
لا ...............

لذلك قلت أن التوبة مسألة مشكلة
التوبة معني ينتظم من ثلاث أمور :
علم – وحال – وعمل
علم : وهو معرفة ضرر الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب
الحال : هو الندم
العمل : الإقلاع وترك الذنب
والتوبة واجبة علي الجميع
قال الله تعالي : " وتوبوا إلي الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون "
ومن معاني التوبة : ترك المعاصي في الحال والعزم علي تركها في الاستقبال وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الاحوال

لمن كان يتحدث الله حين قال : " وتوبوا إلي الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون "

كان يتحدث إلي جميع الأمة فكل فرد من أفرادها مخاطب بهذا الخطاب وهو الدعوة إلي التوبة ، فالخطاب بالتوبة موجه إلي الحكام وأولي الأمر وإلي الوزراء والنواب والقضاة وامراء الجند وقادة الجيوش والشرطة والهيئات الإسلامية والمسؤلين فيها مثل الأزهر وغيره من الجامعات الاسلامية والقنوات الاعلامية الرسمية وغير الرسمية مثل إذاعة القرآن الكريم وغيرها من الإذاعات ، وينوجه الخطاب بالتوبة للعلماء سواء العلماء بعلوم الشريعة أو العلماء التجربيين وعلماء العلوم الكونية والعلوم الإنسانية والإجتماعية ، كل العلماء في كل الفروع ينوجه إليهم الخطاب والدعوة إلي التوبة وكذلك الدعاة وطلبة العلم والمنتسبين إلي الصحوة إلاسلامية والتيارات الإسلامية المختلفة كل هؤلاء مخاطبين بالتوبة ومطلوب منهم التوبة والإعلاميين من صحفيين ومذيعين ومقدمي برامج والأدباء والفنانين الكتاب والروائيين والممثلين والمغنيين والرسامين ، والمثقفين ورجال الأعمال وأصحاب الرياسة والنفوذ وأصحاب المال الأثرياء ، والموظفين والعمال في المصانع والزراع في الحقول

كل الناس مخاطبين بتلك الآية

" وتوبوا إلي الله جميعا أيه المؤمنين لعلكم تفلحون "

ولكن كل له توبة تخصه إذ كل عليه واجب مختلف عن الآخر وتوبة كل إمرئ بحسب مهمته وواجباته لذا الحديث عن التوبة يحتاج إلي تفصيل ، نحتاج أن نذكر دور كل رجل ممن سبق ذكرهم ونذكر مواطن الخلل حتي يعرف كل واحد كيف يتوب ،

فالحاكم وولاة الأمور عليهم واجب وهو حفظ الدين وسياسة الدنيا به هذا هو واجب الحاكم المسلم كان أمير أو رئيس أو غيره
ولا يتحقق حفظ الدين إلا بثلاث :
1- نشره
2- الدعوة إليه
3- حث الناس علي الإلتزام بشرائعه وشعائره
انظر إلي أبي بكر رضي الله عنه كيف حفظ الدين حين جمع المصحف وحارب المرتدين الذين رفضوا أن يدفعوا الزكاة بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم ، وانظر إلي عثمان حين اختلف الناس في القراءة جمعهم علي مصحف واحد حتي لا يتنازعوا ، ولقد كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلي الأمصار يعلم الناس السنة والفقه ، وهو الذي أمر بتدوين السنة وجمعها

لذا يجب علي الحاكم إنشاء المدارس والمعاهد العلمية التي تقوم علي نشر العلم ، وإعداد العلماء يجب عليه أن يكفل لهم أرزاقهم ، لضمان تفرغهم لهذا الشأن ، ويجب عليه أن يتصدي للبدع ويقيم السنن ، ويجب عليه رد شبه المتشككين وزيغ المعاندين ، ويجب عليه أن يبعث البعوث ويرسل الإرساليات لعرض الدين علي الناس وإقامة الحجة عليهم فالقيام علي شعائر الدين وتعظيمها من أهم واجبات الحاكم المسلم

أما واجبات الحاكم السياسية فهي :

1- إقامة العدل ، فالعدل أساس الحكم في الدولة الإسلامية ، وأساس العدل في الإسلام هو الحكم بما أنزل الله وبما شرع قال الله تعالي : " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس

بالقسط " (الحديد : 25)

ولإقامة العدل مظهران الأول : قطع التخاصم بين المتشاجرين لذلك علي الحاك تعيين القضاة الذين يتولون فض هذه المنازعات وعليه إنشاء المحاكم وعليه بيان إجراءات التقاضي

المظهر الثاني : إقامة الحدود لتصان محارم الله

2- الحفاظ علي الأمن : العام والسكينة والنظام

3- الدفاع عن الدولة والدين : فيجب عليه اتخاذ الوسائل اللازمة لذلك من تجهيز الجيوش وتطويرها وتحصين الثغور

4- توجيه السياسات المالية : للدولة وفق الضوابط الشرعية ، والسياسة المالية هي عبارة عن موارد الدولة ومصارفها ، والحاكم مسؤول عن توجيه هذه السياسات وليس للولاة علي الاموال أن يقسموها حسب أهوائهم ، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء عليها ، وواجب علي ولي الأمر أن يحاسب ولاته ووزرائه وعماله حسابا دقيقاً ، حتي يقيم عوجهم ، ويصلح أخطائهم ، فلقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يستوفي الحساب من العمال

5- تعيين الولاة والموظفين : ورسم السياسة العامة للدولة فالولاية أمانة وعلي الحاكم يقع عبء هذه الأمانة فيجب عليه أن يولي علي كل عمل من الاعمال أصلح من يجده لهذا العمل دون محاباة ، وإلا كان خائنا ، مضيعا للأمانة ، ففي البخاري من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إذا وسد الأمر إلي غير أهله فانتظر الساعة "

وقال لأبي ذر رضي الله عنه حين طلب الإمارة " إنك ضعيف وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلأا من أخذها بحقها وأدي الذي عليه فيها

هذا هو واجب الحكام المسلمين فانظر بعيني رأسك هل يجب عليهم التوبة وهل هم مخاطبون بها أم لا ؟؟؟

ففلسطين محتلة ، والسودان هناك مشروع لتقسيمه ، وهناك إحتلال وحروب في العراق وأفغانستان وهناك وهناك

بل إني أعجب من عمر بن الخطاب حين يعرض عن من لمح له بتولية إبنه عبد الله بن عمر وهو من هو في الصلاح والفضل مع درجة الصحبة ، وكيف أن حال الحكام لا يولون إلا أبنائهم وهل عقمت أرحام النساء أن تلد رجالا غيرأولادهم وكيف فعلوا هم حتي يفعل أولادهم

وعلي واجبات الحاكم فقس بباقي طوائف الأمة من علماد ودعاة وطلبة علم وأطباء ومهندسين وتجار ومحامين ومدرسين وهكذا

وحتي لا أطيل المقال أقول بإجمال

معني الذنب والمعصيه وحصره في أشياء محدده هذا يجب التوبة منه

وتقسيم الناس إلي عامة وخاصة والتحزب علي ذلك يجب التوبة منه

وتعظيم الدعاة والمشايخ والعلماء وطلبة العلم وجعلهم في درجة العصمة هذا يجب التوبة منه

والاعتزال عن واقع الناس وهمومهم وترك الدنيا لأهل الباطل يسرحون فيها ويمرحون تلك هي علمانية المنتسبين إلي الاسلام وعليهم أن يتوبوا من ذلك

الخلط بين الدعوة والعلم وإغفال مراتب أهل العلم والعلماء وتسويتهم بالدعاة هذا يجب التوبة منه

الحكم علي الناس هذا فاسق وهذا زنديق وهذا ملحد أيضا يجب التوبة منه ليس لنا أن نحكم علي الناس بل علينا أن ندعوهم

حرف معني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقصره في النهي عن المنكر وترك الأمر بالمعروف وغلبة الشهوة إلي التحريم هذا أيضا يجب التوبة منه

ملاحظة النفس والكبر والغرور والخيلاء والرياء هذا أيضا يجب التوبة منه

ترك نصيحة ولاة الأمور والخلط بين مفهوم التراحم والتدافع هذا أيضا يجب التوبة منه



السلبية وعد المبالاة بحال الوطن والأمة أو أي بلد من بلاده أو بقعة من أرضه هذا يجب التوبة منه

ترك الدعوة للحق ولو بالكلمة أو إلاشارة أو التواجد أو التصويت أو الثناء علي من يستحق أو أو ... هذا يجب التوبة منه

يجب التوبة من سلوك التبرير وعلينا باعتناق طريق التغيير

الدفاع عن الاسلام يجب التوبة منه فالاسلام ليس ضعيف ولا يحتاج إلي من يدافع عنه بل علينا أخذ زمام المبادرة والهجوم علي أعدائه والدعوة إليه في أرجاء الارض ونواحيها فلو أننا ندعو أهل الارض لرسالة الاسلام لما وقف أحد يستهزأ ويسخر ويسيئ إلينا

ترك الأولي والاشتغال بالفرعيات والترهات هذا أيضا يجب التوبة منه

الارتجال والعشوائية في الدعوة وفي العلم وفي العمل هذا أيضا يجب التوبة منه

التأخر في الدنيا والتخلف التقني والفني والزراعي والصناعي والاقتصادي هذا أيضا يجب التوبة منه

حرف معني الخلافة في الارض وجعلها بمعني القايمة بالعبادات من صيام وصلاة وغيرها فقط هذا أيضا يجب التوبة منه ، فعلينا أن نعمر الارض وفق منهج الاسلام تلك هي الخلافة أم اعتزال الدنيا واعتكاف المساجد فهذا لا يحقق الخلافة في الارض

تحريف المعاني الشريعة والاستعاضة بمصطلحات غير واردة في القرآن والسنة هذا يجب التوبة منه مثل :

إطلاق لفظ العقيدة بدل لفظ الإيمان

إطلاق لفظ الرقائق علي معاني الإيمان

إطلاق لفظ التكاليف علي العبادات التي ما شرعها الله إلا رحمة بنا وتيسيرا لأمرمهمتنا علي الارض من إعمار الارض واستخراج كنوزها ومقدراتها وفق منهج الله يدل علي ذلك كلام الرسول صلي الله عليه وسلم لبلال أرحنا بها يابلال فالصلاة وكل العبادات والاوامر الشريعة إنما شرعت لإعانة الانسان من أداء مهمته ولتخفيف وقع المهمة عليه فجعل العبادات هي المهمة وليس الاعمار هذا أيضا يجب التوبة منه

ألم يقل الرسول صلي الله عليه وسلم لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها هذا دليل واضح علي أن مهمة الانسان هي إعمار الارض وليس العبادات

التخلف عن الصف الاول في كل شئ هذا أيضا يجب التوبة منه فالاسلام ربي أبناءه علي الصف الاول وليس هذا خاص بالصلاة بل في كل شئ عليك أن تكون الأول ، وإن كنت غير ذلك فعليك أن تتوب

هذا باختصار أول شئ يجب علينا أن نستعد به لرمضان التوبة ولا تتحقق التوبة إلا بأن يعلم كل إمرئ دوره في الحياة ويؤديه علي الوجه الذي يرضي الله فإن كان مقصر وجب عليه التوبة وكلنا ذو تقصير ونحتاج إلي التوبة
والحمد لله رب العالمين
استفدت في واجبات الحاكم من مقال للدكتور جمال الركباني

شركاء في التغيير

مروا من هنا

Blog Archive

قائمة المدونات الإلكترونية